الصفحات المصورةالإرشيفعن العدالةأعلن معنااتصل بنا


نسخة للطباعة أرسل الى صديق تحميل   

عدنان عبد النبي البلداوي . - 05/10/2011 - 4:24 م | عدد القراء: 521


غرْسٌ نما ، ولما استنهضته مقوّمات الأصالة ، ليوغلَ جذره في مَعينها، بدأت روافد النقاء ترتفع بمدادها ، لتسجل حضوراً مشرّفاً في تعزيز مراحل السمو ... ويشتد العُود، فإذا به صلابة الحق وزهو النزاهة ، وتتفتح أكمامُ طلعته لينعم بنكهة علمه تلاميذه وأصدقاؤه ومحبوه ..

  يعزّ عليّ ان اكتب هذه السطور مؤبناً من نذر نفسه لخدمة لغة القران الكريم، ورافدا علميا دائم العطاء ،ومجاهدا جادا في تصويب زلات القلم واللسان ،بعيدا عن المجاملة والتصنع، فهو إن عبّر لك عن مشاعره ، فالصدق كما هو في مضامين قلمه .. وأينما يحاضر ويناقش ويعقب ويوثق، لاتفارقه هيبة العلماء وسِمَة البلغاء التي يرفدها اقتدار بلا تعال وسمو بلا غرور.لقد شدّني أسلوب الفقيد منذ أول لقاء معه في مجالس بغداد الثقافية، لما في مضامين نصوصه من ومضات بيانية يؤنس بها المتلقي ويزيد من تعلقه بعبق الديباجة. حتى يُخيّل لكل من يقرأ مقالة له في النقد كأنه يقرأ نصاً مبدعاً لا توجيهاً نقدياً ، وهذا ما جبلت عليه مقدرته في بحوثه وشذرات تصويباته التي حظيت بنسيج أدبي قادر على استنهاض كوامن لذة المتلقي والأخذ به صوب دفء المفردات المنتقاة .. حتى إذا بلغت تلك اللذة مداها .. بثت نداها، لتفتح نوافذ عشق طبيعي لعمل يسمى ( النقد اللغوي) .لقد استطاع الدكتور نعمة رحيم العزاوي رحمه الله ان يضع بنانه على مواطن التشويق في أجواء النحو وأساليب عرضه القديمة والالتواءات اللغوية غير الميسّرة .. لأنه أيقن أن الأسلوب الأدبي خير وسيلة للتحبيب والتقريب. مما زاده ذلك حباً وتقرباً للأدب والأدباء والشعر والشعراء ..و كنت عندما أحادثه في مجالس بغداد مستأنسا بآفاقه اللغوية يدهشني تواضعه الذي سرعان ما يظهر لك انه تواضع باقتدار، لأنه بطبيعته مُداف بالكم الهائل من مستلزمات التثقيف، وبالثقة المتميزة بالنفس، والصراحة في الرأي، ومطابقة القول والعمل.وانه لمن دواعي الفخر والاعتزاز أن تحظى أروقة العلم ومجالس الأدب بعطاء العالم الفقيد ، ذلك العطاء الذي امتد حتى الى محتوى المناهج الدراسية المقررة التي حظيت هي الأخرى ببركة يراعه ، حتى طمعتْ بحسن تأليفه ، فاشرأبتْ صوب غمامه .. فكان لها نعم المجيب ، يرْأف بالنبتة اليافعة .. يرعاها رعاية الوالد.. يُبعد عنها ما لا تطيق .. يهيئ لها ما يناسب عمرها من مضامين ، وهو في ذلك اقرب الى عالم النفس الذي همّه الأول تحليل النفس الإنسانية لإمكان التعامل معها كما ينبغي ،وصولا الى هدف التقويم الأسمى.إن مصيبة فقدك ياابا هيثم شديدة الوقع عميقة الأسى ،ولكن روحك الطاهرة ستبقى معنا تطوف في أروقة العلم وأجواء المجالس .

 

الدكتور نعمة رحيم العزاوي بين التصويب اللغوي وفن المقالة الأدبية

مهدي شاكر العبيدي

طلع علينا الدكتور نعمة رحيم العزاوي بكتابه ( فصول في اللغة والنقد ) الذي ضمَّ بين دفتيه مقالاتٍ متنوِّعة في مقاصدها ومبتغياتها عام 2004م، والذي طبعته له المكتبة العصرية في دار المثنى للطباعة والنشر ببغداد ؛ بعد أنْ صبر عليها طوال عشرينَ عاما مضَت وأبقاها في مواضعها الأصلية السابقة من جريدة ( الجمهورية ) العراقية المحتجبة اليوم، إلى أنْ افتكر أنَّ ثمَّة وحدة ما تجمعها على غاية، وتؤلف بينها صوب هدفٍ معيَّن، فاعتزم تسميتها : ( فصول في اللغة والنقد )، غير مكترثٍ بانطواء عنوانه هذا على ما يشبه الاستفزاز للمشاعر وخدش لعواطف المستأثرينَ بصفة الناقد ممَّن حَسبُوا أنـَّها غير متوفرة ولا تتأتى مواصفاتها في العالم الأدبي للعراق، سوى لنفر لا يتجاوز عدد أصابع اليد، لكنـَّها الثقة بالنفس، والاستناد إلى قاعدةٍ صلبةٍ ورصينةٍ من الانقطاع الكلي للدرس الأكاديمي المضني، هي التي صيَّرته في حال من التهيُّؤ للردِّ والصِيال وإفحام المتخرِّصينَ وتبكيتهم أنَّ النقدَ الأدبيَّ لنتاجات العقول والأفهام ممَّا يتمثل في قصيدةٍ شعرية وصنيعةٍ فنيَّةٍ لقصَّة أو روايةٍ، ويختلج في الأذهان من خطرات ونوازع بشأن ما يستجدُّ في الحياة الثقافية من ضروب التجديد والتحوُّل أو الركود وتوان في التكيُّف معها ومسايرتها، هو خصيصة لا حقَّ لأحدٍ أنْ يستفرد بها ويدَّعيها لنفسه ولرهطٍ يشايعونه في أنظاره أنَّ القصص الستيني مثلا عُنِيَ برسم صورة قوامها الإحباط والانكسار والخذلان لأبطاله دونَ أنْ يتنبَّه القصَّاص والناقد المزعوم ويفطِنا إلى أنَّ مؤدَّى كلٍّ من التخاذل والبطولة لا يستويان بحال، فحتى لو كتب هو وكتبوا هم مئات الفصول وحشَّوها بمثل هذه الانطباعات، فمن الفجاجة أنْ تجري تقييماتهم لحركة النقد وفق هذا النحو من الانحياز والميل إلى جانب .غير أنـَّنا نقول مع ذلك ورغمه أنْ كان الله في عون قارئ الصحيفة اليومية في سوغ مضمون هذا الصنف من المقالات العسيرة، لا سِيَّما الستُّ الأولى منها التي تحوج لفهم بغيتها ومرماها مزيدا من الانتباه والتركيز وصون البال من التشتت مع احتفاظه بحصيلةٍ من الثقافة اللغوية، واستفادةٍ من قراءاتٍ سابقة في المفهومات الأدبية وقضايا النقد الأدبي، عساه يجد سهولة ما في الإحاطة بمعنى المنهج الوصفي ونقيضه المنهج التحويلي بعد أنْ ترامى إلى سمعه من قبل اسما صاحبيهما السويسري ( سوسير ) المتوفى عام 1913م، والأميركي المعاصر ( نعوم تشومسكي ) الذي جاءنا ببدعة أحدَثتْ ثورة في الدراسات اللغوية، حيث (( أوضح أنَّ اللغة التي ننطقها فعلا إنـَّما تكمن تحتها عمليَّات عقليةٍ عميقةٍ، تختفي وراء الوعي ووراء الوعي الباطن أيضا ))، والقارئ يلذه مثل هذين الاسمين ويُدخِلان الحبور لنفسه ويفعمانه بالبهجة، بعد أنْ توشَّحا بصورة طبيعية دراساتنا الأدبية، وتسامع ما تسامع عن اصطراع الأخير مع حُكـَّام بلده المتغايرينَ كلَّ آن، واعتراضه على منوالهم في تسيير دفة الحُكم في الداخل والخارج، وتعريته مواقفهم بإزاء إرهاصات الشعوب الأخرى وانتفاضاتها في طِلاب التغيير، فلا غرو أنْ أنِسَ بهذا المُضطلِع باهتمام ثان وطرب له، على أنَّ الكاتب لا يلبثُ أنْ يشفق علينا من فرط ما جشَّمنا به من عناء وجهدٍ في تطويع نفوسنا لمصاقبته في فهم مراده من النحو التحويلي وعلم اللغة التقابلي ونحوهما، ممَّا يلفيهما القارئ مثل فضلةٍ أو زيادةٍ على حظه ورصيده من العلم والفقه اللغوي، فيستدرجنا رويدا لمشاطرته الاستمتاع بما يمتاز به الفصل الأوَّل من الباب الثاني لهذه الكتاب من طرافة قلَّ أنْ نعثر بها في كتابٍ ما، ومن تشويق نادرا ما تنطبع به دوريات وأسفار أخرى تحملنا حملا على الاستغراق في قراءتها لكن بقدر، فقد يُدَاخِلنا السأم منها ونملها لأنـَّها تحوي دقائق من العلم ليس فيها جدَّة، كما رَفدَنا هذا الفصل بزادٍ معرفيٍّ دسم وخصبٍ إلى حدٍ ما بتقسيمه الكلمات الداخلة في استعمالنا اليومي أو مبثوثة في مخاطباتنا وتعبيراتنا عن رغابنا وحاجاتنا ومصالحنا، بين الفصحى والفصيحة والمرشَّحة للوقوع في الزيغ والزلل والخطأ، ويستقصي الدكتور العزاوي أصل ذلك في طور حياة العرب القدماء وموطن انتشارهم في جنبات الصحراء المترامية والأماكن اللاتي يؤثرونَ استيطانها وسكناها في أنحاء البوادي المترامية، فكلـَّما أوغل هذا العربيُّ في أعماق الصحراء كان لسانه أفصح، ومفردات لغته أبين وأحرى أنْ توسم بالفصحى، وكلـَّما زهد في حياة البادية وابتعد عنها ويمَّم وجهه شطر المدينة وأخذ بقسطٍ من العيش فيها زمنا يقصر أو يطول، ونطق بلغة قاطنيها من العرب الأصلاء والأعاجم الوافدينَ عليها من جنسيَّات وأقوام أخرى، ضَعُفتْ لغته وعدمَتْ رواءها وأصالتها ونقاوتها، وترخَّص بعض الشيء في استعمالاته واستخداماته لمفرداتها وتراكيبها بقصد الإفصاح والإفضاء بأغراضه وحاجاته ومشاعر نفسه، على أنَّ هذا الترخُّص أوفى به على الفصيح ولم يُجَانِب به عن الصحَّة أو يقترب من الخطأ دون أنْ ينفِي عن المتشدِّدينَ في وجوب شيوعها، سِمَة التزمُّتِ وعدم أخذ ذواتهم بشيءٍ من المرونة والتسمُّح، ويعقبها بنظيراتها ومقابلاتها في المعاني من الكلمات الفصيحة، وكلا الصنفين شائعٌ ومتداولٌ أمس حين ظهر الحريري في القرن الخامس الهجري، وامتدَّ به العمر إلى العام ( 514 ) من القرن السادس الهجري، وفشِل في مجهوده المبذول لغايته لإعمام الفصحى وتغلبها على أساليب المنشِئينَ والكتَاب، وحاد هو عنها أيضا، ولم يعد نفسه بها في حبكه رسائله ومقاماته، وتيقن أخيرا ((إنَّ الرجوع إلى اللغة النقيَّة، لغة القبائل الموثوق بفصاحتها أمرٌ ليس في طوق كاتبٍ أو شاعر )) .

قلتُ : مثلما كان ذانك الصنفان شائعين ومتداولين وجاريين وطافحين على عذبات الألسنة، فهما اليوم أيضا موضع الاستعمال ورهن الاستخدام، وهاكم :

(( فالأدباء اليوم يستعملونَ الكلمات والتراكيب الآتية : مبرِّر، أفسح، شُلـَّتْ يده [ بضمِّ الشين ]، ساهم، التقى به، الحوائج، اختفى، المواطنونَ، ضغط عليه، استلف، لقيته أكثر من مرَّةٍ، يجب أنْ ننهي المسألة، شتـَّان ما بينهما، يفدي نفسه لوطنه، كسول، تزعَّم البلد، وصل بغداد، سقط المطر، المسـتشفيات، تبادلا التحية ؛ لأنَّ هذه المفردات والتراكيب ليسَتْ بخطأ، وإنـَّما هي من اللغة الفصيحة، ولا داعي لأنْ يرفضها ناقد متزمِّت بحجَّة أنَّ اللغة العربية الفصحى تقتضي أنْ يُقال بدلا ً منها، على التوالي : مسوَّغ، فسح، شَلـَّتْ يده [ بفتح الشين ]، حزنه الأمر، زوجٌ، أسهم أو شـارك، التقاه، الحاجات، استخفى، بنو الوطن، ضغطه، استسلف، لقيته غير مرَّة، يجب أنْ نحسم المسألة، شتـَّان ما هما، يفدي وطنه بنفسه، كسلان، تصدَّر البلد، وصل إلى بغداد، وقع المطر، مشافي، تقارضا التحية ؛ صحيح أنَّ المفردات والتراكيب الأخيرة هي من اللغة العربية الفصحى، ولكنَّ المفردات والتراكيب الأولى فصيحة ومعترَفٌ بها، لأنـَّها ترتفع عن العامية، وليسَتْ ملحونة )) . وأرى أنَّ في هذا التفصيل حول كنه الألفاظ وأهليَّتها للدخول في سِياق الكلام تبعا لمقاربتها الفصحى أو دنوِّها منها شوطا يؤهِّلها للاستعمال ويعصمها من شائبات الخطأ والزيغ، إغناءً لفهم القارئ وتوسعة لإدراكه وإرهافا لوجدانه وتهذيبا لإحساسه وشعوره وذوقه، ومن ثمَّ تخييره بين أنْ يَعَاف هذا الضرب من الكلمات والألفاظ وبين أنْ يشغف مرادِفاتِها المُسَامِتة والمُشَاكِلة لها في تجسيد عين فحاويها وما ترومه من الغايات، لا سِيَّما بعد تخففه من استيعاب محتويات الفصول الأوائل التي يُعَدُّ الإلمام بها من قبيل الترف الذي لا تشوقه ألبابٌ وعقولٌ أثقلتها الضغوطات اليومية وأوجعتها مرارات الحياة، وإنْ تسمَّح الكاتب المؤلف في تجويز نفيه للتضخُّم اللغوي في لغتنا أو إنكاره اغتناءها بالمُرادِف المُطابق للمعاني، وإثباتِه أنَّ كلَّ لفظٍ فيها متفرِّدٌ بمعناه، وهو تسويغٌ قد يُصادِف على أيَّة حال قبولا ً بوجاهته من لدن بعض الدارسين .

ويمضي الدكتور نعمة رحيم العزاوي في إسهابه وشرحه فصول القسم الثاني المعنون ( في التصويب اللغوي )، فيسرد روايات ومعلومات عمَّا يقع فيه المحدَثونَ من مزلات، ويجترحونه من هِنات، ويجانبونه من إصابةٍ وصحَّةٍ أثناء ممارستهم صنعتهم الأدبية وتصدِّيهم للكتابة، ويتخيَّلونَ واهمينَ أنَّ الفنَّ قد أسرهم واستغرقهم بكليَّتهم، وما دروا أنـَّهم رهناء التصنع الذي اعتاق سليقتهم وحدَّ من ترسُّلهم وحال دون تلقائيَّتهم وطواعيتهم وصدورهم عن الطبع في صياغتهم للعمل الفني، يتمثل هذا التفريط غير المقصود في الصواب وإحكام المنجز الأدبي نتيجة قلة دراية الشادينَ في الأدب بأسرار الإبداع الفني في معطيات القدامى وأبرز الكـُتـَّاب المعاصرينَ، وما توافر فيها ولها من رصانة وقوَّة أسر ٍ، ثمَّ عدم عنايتهم وتفرُّغهم لإعداد ذواتهم بالتجهُّز لهذه الحرفة ــ حرفة الأدب ــ بما يلزم لها من المُدَارسة والخبرة الكافية بمختلف صور البيان وفنون القول، قلتُ : تتجلى هذه النقيصة في الاقتدار على التمام فيما يسوقه الكاتب ويستدلُّ به من فشلهم في استخدام حروف الجرِّ وجهلهم في استعمال الفعلين : اللازم والمتعدِّي، على الوجه المقبول أو المُسَلـَّم بصحَّته، فقد ينصرف أحدهما عند استخدامه لهما لغير غرضه ومقصوده المُحدَّدين، وكذلك خطالتهم في تفضيل الصياغة المُتطلبة للفعل بوجه عام، وأخيرا زهادة أغلبية طلاب العلم بصيغة البناء للمجهول التي تجنـِّبُنا الزيادات في أحرف الفعل والتطويل في الكلام .

وصفوة القول : إنَّ محتويات فصول القسم الثاني من الكتاب تنصرف إلى التنبيه على ما يشوب أدبيَّاتنا من ترام ٍ ووقوع في الزلل وتحاشي الصواب، وتشخيص أسبابه وعوامله، ثمَّ تميل لتوجيه المتورِّطينَ في خطأ استعمالهم لمفرداتهم وأدواتهم اللغوية إلى وجوب استخدامها والتعامل معها وبها على الوجه الصحيح في تصريف القول وبنائه، وهو في ذينك التنبيه والتوجيه بضربه المثل تلو المثل على ظاهرة الإخلال بأصول العربية وخشيته من أنْ يتفاقم الأمر فيؤدِّي في النهاية إلى تعفيتها وهدمها ومحو أثرها، لا يقطع الأمل بالمرَّة أنْ ينبري الطالعونَ من شبابنا وفتيتنا الدارسينَ لتجاوز تفريط مَن سبقهم وقلة حرصهم على ما ترسَّمه السلف من القواعد والأصول، باتخاذهم الكتاب العظيم المُنزَّل على نبيِّهم الكريم ( ص ) قبلتهم ومنار هدايتهم وتقرِّيهم البيانَ السليم من العجمة والركاكة والمُجرَّد من أيِّما ابتذال وتهافتٍ . وكأنْ فطنَ المؤلف إلى أنـَّه أخذ مسألة التصويب اللغوي بأكثر ممَّا تستحقه من الاهتمام والحرص والعناية، معربا في ذلك عن غيرته وحميَّته وشهامة نفسه وحفاظه على العربية أنْ تشوبها العجمة ويعتورها الابتذال والركاكة، فتوقف عن مواصلة تشخيصه وتحديده وضربه الأمثلة والشواهد للدلالة عليها بشكل مسرفٍ ومؤثر في وجدان القارئ، حتى ليوقعه في ريبٍ وشكٍ في صواب ما يقرأ وصحَّته، وسلامة ما يطالعه من تعبير وبيان، فجنح للتخفف منها والكفِّ عن سوق مقالاتٍ أخرى من العينة نفسها مع إحجامه هذه المرَّة عن حشدها وضمِّها إلى مثيلاتها المقتصرة على تناول مسألة التصويب اللغوي، فإذا نحنُ أسارى ما يُطالعنا به من مقالاتٍ محبوكةٍ بجمال لفظها وسلاسة أدائها وجزالة تركيباتها عين الوقت دالا على طواعيته وعفويَّته مع تمهُّله وتدقيقه واستئنائه في التخيُّر والانتقاء من ركام المفردات اللغوية، متحاشيا ً أنْ يستهدفه متغرِّضٌ فيوصم طريقته في التعبير عن خوالجه وانطباعاته ونوازع فكره بالانتحال والتعمُّل، فقد يوهِم فرط الدقة في اختيار الكلمة وتوخِّي فصاحتها وموافقتها لما يجول في البال ويخامر العقل من شعور ومعنى، بأنـَّه مُوَرِّط كاتبا ً هذا شأنه من التعامل حِيَال أدواته، بما لا يتصوَّره أحدٌ من التكلف والتحذلق والإعضال والتنطع، وبالتالي تقليد كبار المنشئينَ في أساليبهم ومبانيهم، ويبدو أنَّ الدكتور العزاوي بهرته طرائقُ أدباء عهد الكتابة الزاهرة والأداء الفصيح وإيتاء المعاني البليغة ممَّا اعتاده المصريون الذين كانوا أسبق من بقية العرب في سائر بلدانهم إلى مصافحة النهضة الحديثة التي شهدت طفراتٍ بيناتٍ في صياغة أسلوب الكتابة وقد خلا من التحسين والزخرف، وانتفت منه علائم التدبيج والبهارج اللفظية بدون أيما جدوى في إبراز المضمون وترصينه وإحكامه ممَّا ساد العصور الغابرة في ظروف أفول حضارة العرب وانحسار قوتهم واستفحال خطر عدوِّهم، بحيث غدا انقطاع المرء للاستزادة من العلم والأدب في عداد ما يستهجن ويعاب به في نظر الباغينَ والجُهَّال سوى ما يتجه به نحوهم بعض ممتهني كتابة النثر ومتعاطي نظم الشعر من تلفيق المعاني المتهافتة والمقاصد الرَذلة وهي نتاج النفاق والكذب وعماد التدجيل والمكر لينالوا أعطياتهم ويستحصلوا رغباتهم، وخير مزية يتسم بها هذا العهد ــ عهد الكتابة المزدهرة ــ التي في مقدمة أعيانها وأقطابها : طه حسين، عباس محمود العقاد، إبراهيم عبد القادر المازني، احمد حسن الزيات، عبد العزيز البشري، مصطفى صادق الرافعي، زكي مبارك، أحمد أمين، مصطفى عبد الرازق وعبد الوهاب عزام ؛ ورعيلٌ نعدُّهم من المتتلمذينَ عليهم ومترسِّميهم ومقتفينَ خطواتهم وجارينَ على غرارهم في ابتغاء أسلوب الشخصية الشاخصة بأطوارها وأطباعها المعهودة من تأثرهم واحتكاكهم بالبيئة والمحيط من حولهم، إلى جانب عاداتهم وأطوارهم النفسية والكامنة، حتى صار في مكنة قارئ مداوم ومتمرِّس بآثار معظم أولاء الكـُتـَّاب من الحُرَّاص على بيان العربية أنْ لا يشوبه إسفاف أو يخالطه هبوط وضعفٌ أو يتجرَّد من أصالته وقوَّته، ويتدنـَّى إمكانه على احتواء أعمق الأفكار وتجسيد سامي العواطف والموحيات، أنْ يؤشِّرَ بالضبط وعلى وجه الدقة، ويحدِّد بجلاء، أو يسمِّي صاحب هذا الأثر أو ذاك ممَّن خصصناه بحجب اسمه وخفيناه أمام نظر المجتلي وواريناه قدَّام هذا القارئ المتمرِّس المُدَاوم . وكذا انهمك الدكتور نعمة رحيم العزاوي في تقديم موضوعات ذات صلة وعلاقة من قريبٍ أو بعيد بمعطيات أولئك الجهابذة ومعالجاتهم لقضايا تستوحي الأدب والحياة، بما يُدَاخِل الأوَّل من اختلافات وافتراقات بصدد إقرار بعض الأدباء المتأثرينَ في أنظارهم بدعاوى المرجفينَ من المستشرقينَ بخلوِّ شعر العرب من الملاحِم وعجزهم عن التطويل والإسهاب في شرح أفكارهم وتبسيطها وفي تعرية ظنونهم وأهوائهم، وتصدِّي آخرينَ لإفحامهم أنَّ ما يختلقونه من مُدَّعيات ويزوِّقونه من تهم هو باطل الحُجَّة ويحوجه الدليل والبرهان لإثبات صحَّته، وأنْ لا علاقة للأساطير والخرافات أصلا ً بصنع مطوَّلات الملاحِم حتى إنْ عدِمها تاريخنا، ومن قبيل ذلك أيضا ً تباينهم في نظرهم لدالة أبناء العناصر الأجنبية الداخلة في الإسلام على الحركات الفكرية والتطورات الأدبية والتحولات السياسية التي شهدها العالم الإسلامي والعربي، فتوزَّعوا بين مَيَّال لإشهار فضلهم والتحمُّس للاعتراف بدورهم في ازدهارها، وبين مَن يستبعد ذلك ويستهجنه ويتناهى في إنكاره ويعتدُّه انتقاصا ً من العنصر العربي واستهانة به، وممَّا تحفل به الثانية ــ أي الحياة ــ وتعجُّ به من مشكلات، وتزخر به من شؤون وشجون، ويُعنى ناسُها به ويصاقبونه من اتجاهاتٍ عقليةٍ وتشوُّفاتٍ فكريةٍ .

لذا أقطع أنَّ معظم فصول كتابه بدءا ً من الصفحة الخامسة والثلاثينَ بعد المائة لغاية الصفحة الخامسة بعد الثلاثمائة، والتي تؤلف قوام حجمه الأثرى برصيده من العرفان المغني والمعرفة الغزيرة بل الأشمل والأحوى للنظرات النقدية الأخَّاذة والمصبوبة المفرغة في قوالب لفظية آسرة ولغة متينة، قلتُ : تنظر هذه الفصول الشائقة المستثناة مـن ناحية بيانها وتجسيدها ونزوع كاتبها لتسطير نظراته وانطباعاته واعتراضاته على ما يسود العالم الأدبي من نقص واختلال وفجاجة ونبو في التفكير، إلى محتويات كتاب حصاد الهشيم للمازني لولا ما انساق فيه الأخير من استطرادٍ وتفصيل في حياة بشار وابن الرومي، وإلا فقد أشبَهَتْ المقالات الأولى منه التي أوقفها المنشِئ المازني على موضوعات الخيَّام والمتنبي و ( كروبتكين ) وتاجر البندقية والخيال وكتاب ( الفصول )، في إحكام صوغها وطواعيَّة أدائها وعفوية طبع كاتبها واسترساله، هو الممتهن للعمل الصحفي إلى آخر حياته، لكنـَّه لا يترخَّص في لغته بذريعة أنَّ دواعي صدور الصحيفة في موعدها يضطرُّه للتساهل والنزول على حكم الضرورة والتخلي عن اعتداده وكبريائه، بل قِيلَ عنه أنـَّه يَسُحُّ بالكلام المونق القشيب سحا ً أينما كان ومتى يشاء ولا تؤثر عليه ضجَّة المكان الذي هو فيه ولا صخبه، وما ذاك إلا لأنـَّه مستجاش الشعور ومعتلج الإحساس، وليس غيرُ الشعور والإحساس ما يوحِي بالأفكار ويُنجد بالمعاني، قلتُ : أشبَهَتْ مقالات العزاوي في جدَّتها وتنوِّعها وطرافتها وامتلائها بأحكام النقد الفني والموضوعي خصائص أدبيات المازني التي هي بنفس المواصفات لولا أنَّ مقالات الدكتور العزاوي قد تحكي تفكره بالأسلوب والبيان قبل شروعه بالكتابة، وليس هذا بالشيء القليل، خاصة أنـَّه موزَّع الأفكار ــ كما أعهد عنه ــ بين تثمينه واستهوائه أسلوب أحمد حسن الزيات وليونة طبعه وسجاحة خلقه، وبين إكباره لتدفق زكي مبارك في تصوير ما يرتعش بوجدانه من لذع ومرارةٍ، ويصطخب في قرارته من إحساس بالوجيعة والابتلاء بالضيم الفادح.